اللغة العربية ودورها في زمن كورونا
بقلم د. محمد مكادى
اللغة هي وعاء الثقافة العالمية في كل العصور والأزمان منذ أن خلق الله آدم حتى يومنا هذا ‘ فهي تحمل مفاهيمها وقيمها ، وتنقلها بين أبناء اللسان الواحد، فيتفاعلون ويتوصلون مع بعضهم بعضا ولا شك في أن اللغة تتأثر تؤثر بالظواهر الاجتماعية التي يمر بها ابن اللغة من أزمات وملمات ، فنراه متفاعلا مع محيطه اللغوي منكبا على لغته وأهله ووطنه .
ُ لكل شيء تداعياته، الحروب، والأوبئة، والكوارث الطبيعية، وكلها تنعكس على كافة نواحي الحياة ومجالاتها لسنوات طويلة ظل الجيل الحالي يقرأ عن الأوبئة السابقة ويرى المشاهد التي تجعله يشعر بالقشعريرة خلال القراءة، وربما لم يتوقع البعض أن تعاد تلك المشاهد ويعيشها بنفسه في الوقت الراهن، وهو ما أحدثه فيروس كورونا المستجد .
وفي زمن انتشار الأوبئة السوداء والكوارث الطبيعية تجلب معها مصطلحات ومفاهيم لم تكن مستعملة من قبل لدى الناس لعدم توفر الظرف المناسب لها ، فجلبت هذه الجائحة كلمات وتراكيب جديدة لم تكن متداولة في لغتنا العربية مثل ، مرض فيروس كورونا Covid-19 ، جائحة Pandemic ،الحجر الصحي Quarantin، أعراض المرض Symptom ، حالة طوارئ State of emergency ، وباء Epidemic ، تسطيح المنحنى Flatten the curve ، المناعة Immunity ، الإبعاد الاجتماعي Social distancing فترة الحضانة ، Incubation period ، معدل إماتة الحالة Fatality rate بدون أعراض ظاهرة asymptomatic ، حيواني المصدر Zoonotic ، مستودع Reservoir ، طُرق انتقال الوباء ، والفيروس التّاجي، وحامل المرض، وناقله ، وفِرق التَّقصي الوبائي والمُخالِطين ، ومُنحنى الوباء، وتَفَشّي الوباء… وقائمة تطول من الكلمات التي استقبلها مجتمع اللغة العربية وتفاعل مَعها، وأعاد إنتاجها ، وكل مفردة من هذه المفردات لها العديد من المعاني والدلالات يدركها أهل اللغة بالفطرة والسجية ، أو بالتعلم والممارسة لتصبح مفردة من مفردات معجمهم اللغوي المتداول بينهم والفرق بين الوباء والجانحة والخلية البروتينية.
ولقد أصدرت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم او “ألكسو” أول معجم علمي ثلاثي اللغة (العربية، الانكليزية والفرنسية) حول وباء كوفيد 19 وعنوانه “معجم مصطلحات كوفيد 19”. وهذا المعجم تفتقد اليه المكتبة العربية والقراء العرب، على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم، سواء كانوا علماء وأطباء أم طلابا جامعيين أم مواطنين عاديين يودون التعرف إلى حقائق هذا الوباء الرهيب الذي ينتشر في كافة انحاء العالم. والمعجم الذي تطلّب جهدا جماعيا، في اختيار .
ولقد تناول هذا المعجم المصطلحات والمفردات التي تتعلق بالفيروس، علميا وطبيا ونفسيا واجتماعيا، إضافة الى تاريخه وكيفية نشوئه وانتشاره وطريقة مكافحته وكذلك علاقته بالبيئة والإنسان جسديا ونفسيا.
ويسعى المعجم لإيضاح كل أسرار الفيروس والغازه ويرتكز إلى معظم الجهود التي بذلت في مختبرات العالم من الصين إلى أوروبا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية. أما فريق الإعداد والتعريب الذي تولى تأليف المعجم بإشراف عبد الفتاح الحجمري مدير المكتب ، فضم: إيمان كامل النصر ، إدريس قاسمي، لينا إدريسي ملولي، مرية الشوياخ وعبد الحميد البكدوري. واكتشف فيروس كورونا في ديسمبر 2019 في مدينة ووهان وسط الصين، وصنّفته منظمة الصحة العالمية في 11 آذار (مارس) 2020 جائحة. ويعتبر علماء الأوبئة أن فيروسات كورونا تنتمي إلى صنف من الفيروسات ذات أعراض متنوعة في المجمل أبرزها نزلة البرد العادية والحالة التنفسية الحادة والوخيمة.
هذا ، وفي أوقات الأزمات والكوارث ، لاسيما الكُبرى منها، نشعر أننا بحاجة إلى كلمات جديدة، وأن كلمات لغتنا غير ملائمة للعالم الغريب والمقلق الذي نعيش فيه. وأن مصطلحات لغتنا القديمة تبدو عاجزةً عن أن تُسعف المعنى السريع والمُعولم الذي نريده، ، فتفشل في التقاط جوهر خوفنا وحزننا واغترابنا! نعم، فالتغيير الاجتماعي الكبير يؤدي – تحت ضغط الحاجة – إلى تغيير لُغوي كبير. وهذا يؤدي إلى صك مصطلحات جديدة تُعبر عما يمر به الناس من تحديات، وهكذا تُعد كل أزمة، أو محنة، أو تجربة بشرية جديدة بمثابة رحمٍ لُغوي تُولد منه كلمات وتعبيرات جديدة سرعان ما تحتويها المعاجم والقواميس، لكن تأثير الأزمات قد لا يقتصر على مجرد ابتكار مصطلحات أو اختصارات نوعية تقضيها حاجة التواصل اليومي أو التقني، بل قد يمتد ليؤدي إلى تحول لُغوي ملحوظ في اللهجات المحتفلة، لاسيما في حالة الأزمات التي تفرض العُزلة وتعطيل المدارس والجامعات وانكفاء ملايين العائلات على ذاتها لُغويًا.
صحيح أن وسائل التواصل التكنولوجي – المتطورة في عالمنا المُعاصر – سيكون لها دورها المؤكد في الحد من التحولات اللغوية الكبرى، لكن بقاء الأطفال مع عائلاتهم على مدار اليوم بفعل الإغلاق خلال جائحة كورونا مثلاً (خصوصًا فئات المهاجرين إلى بلاد أخرى، والفئات الأقل تعليمًا) سيؤدي قطعًا إلى أزمة في غرس المستوى الرسمي للغة، ومن المعروف أن الطفل في البيت يتعلم كيف يتحدث، لكنه في المدرسة والجامعة يتعلم كيف يتكلم، وكيف يكتب بشكلٍ نظامي، ولن يكون للتعليم عن بُعد أثره المنشود في ذلك قطعًا، وقد رأينا بالفعل كيف أدي استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت إلى تدهور المستويات اللغوية، وكيف تم الانتقال من عصر الرسائل الإلكترونية الطويلة إلى النصوص المختصرة، بل والمختلفة تمامًا عن اللغة النظامية التي كان يتعامل بها الآباء والأجداد .
الابتكار اللغوي في زمن كورونا ( التطور الدلالي للمصطلحات )
لا شك أن جائحة كورنا كانت وما زالت بمثابة تجربة رائعة للمعجميين، شهدوا ويشهدون خلالها ارتفاعًا ضخمًا في تداول كلمة واحدة خلال فترةٍ زمنية قصيرة، بل وسيطرة هذه الكلمة على لغة الخطاب العالمي متجاوزةً اختلاف اللغات واللهجات والأعراق والأديان! إنها كلمة «كورونا» Corona، تلك التي فرضتها على الألسنة والأقلام جائحة فيروس «كوفيد-19» منذ منتصف ديسمبر 2019 تقريبًا وحتى يومنا هذا. ليس ذلك فحسب، بل لقد ساهمت هذه الكلمة في شيوع مفردات جديدة متنوعة في لغات العالم (النظامية وغير النظامية)، منها المصطلحات المتخصصة لعلم الأوبئة والعلوم الطبية، وكذلك اختصارات جديدة لم تُعرف من قبل، وكلمات للتعبير عن الضرورات المجتمعية لمواجهة المرض وعلى الرغم من أن نطاق الابتكار المعجمي فيما يتعلق بالفيروس التاجي غير مسبوق، فإننا بحاجة فقط إلى النظر إلى فترات أخرى من التاريخ لنرى كيف يتجلى هذا الإبداع اللغوي في أوقات الأزمات الاجتماعية الخطيرة ، وبعض المصطلحات التي أصبحنا على دراية بها على مدى الشهور القليلة الماضية من خلال الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلام والقرارات الحكومية موجودة منذ سنوات (كثير منها يعود إلى القرن التاسع عشر)، لكنها حققت إنجازًا جديدًا أوسع نطاقًا لوصف الوضع الذي نجد أنفسنا فيه حاليًا. على سبيل المثال :
1- مصطلح «العزلة الذاتية» Self-isolation (المسجل في قاموس أكسفورد منذ سنة 1834) تم استخدامه إبان القرن التاسع عشر كوصف للدول التي اختارت الانعزال سياسيًا واقتصاديًا عن بقية دول العالم، لكنه الآن يُستخدم لوصف العزلة الذاتية المفروضة لمنع الاصابة أو نقل الأمراض المعدية. ولا يقتصر الأمر على مصطلحات القرن التاسع عشر، بل يمتد ليشمل مصطلحات مُستقاة من الأزمات العالمية الأحدث.
2- مصطلح «جائحة معلوماتية» Infodemic (وهو مصطلح منحوت من الكلمتين «معلومات» Information، و«جائحة» Epidemic) تم صكه سنة 2003 لوصف التدفق المعلوماتي عبر وسائل الإعلام والإنترنت خلال أزمة وباء سارس SARS، لكن أعيد الآن استخدامه لوصف التدفق الهائل للأخبار المتعلقة بفيروس كورونا.
3- عبارة «مأوى في مكان» Shelter-in-place (SIP)، وهي بمثابة بروتوكول يرجع إلى سنة 1976 لتوجيه الناس نحو التماس مكان آمن (غُرفة في المنزل مثلاً) لحماية أنفسهم من أي هجوم إرهابي، أو عندما يتم إطلاق ملوثات كيميائية أو بيولوجية أو إشعاعية في البيئة، سواء عن قصد أو عن غير قصد، لكن تم تكييف التعبير الآن كنصيحة للناس بالبقاء في بيوتهم لحماية أنفسهم والآخرين من وباء كورونا.
4- مصطلح «التباعد الاجتماعي» Social Distancing، فمنذ تفشي جائحة فيروس كورونا في الآونة الأخيرة، شاع مصطلح “التباعد الاجتماعي” على نطاق واسع في وسائل الإعلام للإشارة إلى بعض السلوكيات التي يجدر بالأفراد اتباعها للحد من انتشار الفيروس والمخاوف المصاحبة له، والمصطلح في الحقيقة ليس حديث العهد على الإطلاق ، بل كان سببا في نجاة مدن من جائحة الإنفلونزا الإسبانية التي ضربت العالم في عام 1918 وفي عام 1924، ذهب “روبرت إي بارك”، أستاذ علم الاجتماع إلى أن كلمة ”التباعد” تثير لدى المتلقي معانٍ تتصل “بدرجات التفهم والحميمية”. و”بارك” يؤكد على أن المسافة الجسدية التي يحافظ عليها الشخص بينه وبين الآخرين تعكس سماته الفردية أو طبيعة علاقته بالآخرين. لكن يمكن القول أيضاً أنه يمكن لمصطلح “التباعد الاجتماعي” أن يحمل معانٍ أخر لا تقل وضوحاً عما ذكر سلفاً.
فعلى سبيل المثال، فإن فعل “ابتعد” يعني ”نأَى، أي ذهب إلى مكان بعيد، وهو عكس اقترب”، بحسب معجم المعاني الجامع. ولذالك طرح البعض عدة مصطلحات اخرى هي التواصل المتباعد والاختلاط المتباعد وقد اقترحت منظمة الصحة العالمية مؤخراً اعتماد مصطلح “التباعد الجسدي” كبديل (Tangermann) ، ومع ذلك، لا يزال مصطلح ”التباعد الاجتماعي” قيد الاستخدام الواسع في جميع وسائل الإعلام تقريباً.
لقد أصبح لمفهوم التباعد الاجتماعي “social distance” دلالة ايجابية باعتباره وسيلة الوقاية الفضلى بعدما قدم المفهوم منذ أكثر من قرن من الزمان واستخدم للتمييز بين أشكال العلاقات القائمة بين افراد الجماعات الاولية والثانوية وتطور ليشير الى قوة وتأثير الاتصال الوجاهي في تمتين العلاقات الاجتماعية وتوفير الدعم والقبول للأطفال والكبار على حد سواء. إلى جانب هذه الاصطلاحات اصبح الناس يتابعون بعناية واهتمام أخبار الحظر والحجر والعزل ويدركون الفروق الدقيقة بينها. (كموقف وليس بمعنى التباعد الجسدي) للإشارة إلى ابتعاد المرء عن الآخرين في المجتمع بشكلٍ متعمد، لكننا الآن نعني بالمصطلح ضرورة الحفاظ على مسافة مكانية بيننا وبين الآخرين لتجنب العدوى.
5- مصطلحات أخرى، مثل «ضربة الكوع» Elbow Bump، و«ضربة قبضة اليد» Hand Slap، و«الهاي فايف» High Five (أو الإشارة بكف اليد المرفوع لأعلى؛ فهذه كلها تعبيرات تُستخدم للمتعة الاحتفالية في المنافسات الرياضية، لكنها الآن تُستخدم لأداء التحية دون التلامس المباشر بالكف.
ولقد أثرت جائحة كورونا المعجم اللغوي العالمي وخاصة العربي فقد قام الكاتب البريطاني «توني ثورن» Tony Thorne (وهو من مواليد القاهرة سنة 1950) بجمع أبرز الابتكارات اللغوية الجديدة ، و أغلب الأسماء والمصطلحات والاختصارات والكلمات العامية والاستعارات والعبارات المأثورة أو المبتذلة التي ابتكرها الناس خلال فترة تفشي المرض المُستخدمة منذ بدء الجائحة ، وقد قام «ثورن» (Thorne)،بعمل قائمة بأهم المصطلحات الجديدة التي جمعها مع ترجمتها العربية ومعانيها (مُرتبة أبجديًا)وصلت yلى خمسين مصطلحا حاول من خلالها أن يقدم تاريخ المصطلح ومعناه في الماضي والاستخدام الحالي له في زمن كورونا.
ومع فرض استخدام الكمامة لمنع التقاط فيروس كورونا، باتت عملية التواصل أكثر صعوبة، خاصة مع تغطية جزء كبير من الوجه، لذا شكلت لغة الجسد وسيلة هامة تدعم التواصل اللفظي لتوصيل مشاعرنا وأفكارنا للآخرين
ابتسم :اشارة الى الرضا
إمالة الرأس :عادة ما نلجأ إلى إمالة الرأس عند الاستماع إلى شخص ما أو تحيته، وهو جزء من معاملاتنا العادية التي يمكن أن تجعلنا نبدو مهتمين وحتى متفائلين خلال ارتداء الكمامة.
تعزيز التواصل البصري :يجب التركيز بشكل أكبر على التواصل البصري عند تغطية الجزء السفلي من الوجه، فالنظر لأسفل قد يشير إلى أنك غير مهتم بالحديث للآخرين، في حين أن النظر بشكل مباشر في عيني محدثك يدل على ردود فعل إيجابية ونشطة.
تحريك الحاجبين : تشرح جودي “إن رفع الحواجب يجعلنا نبدو مهتمين أو متحمسين لرؤية شخص ما ويمكن استخدام طريقة رفع وخفض الحواجب بسرعة لتحية الآخرين أو إظهار التفاعل الإيجابي معهم”.
استخدام اليدين : لا تزال اليدان تشكلان أداة رئيسية للتواصل والتفاعل حتى مع ارتداء الكمامة، ورغم أننا لا نستطيع مصافحة الآخرين خوفاً من التقاط العدوى، إلا أن هناك العديد من الإشارات والإيماءات التي يمكننا أن نرسمها بأيدينا للتواصل والتفاعل.
فاللغة الجديدة ومفرداتها تكتسب أهمية خاصة ليس لأنها تشكل إضافة كمية للمفردات والمنتجات التي يشتمل عليها المحتوى الثقافي بل لكونها أوجدت لغة عالمية مشتركة شملت تعريف التهديد الذي واجه الجنس البشري وعبرت عن نوع وطبيعة وأشكال الاستجابات التي قامت بها الإنسانية لمجابهة هذا الخطر.
ولقد شاعت هذه المصطلحات في لغتنا العربية بعد تفشي جائحة كورونا في العالم وهي ( الانتشار المجتمعي، المراضة المشتركة، فيروس كورونا، كوفيد-19، وباء، المهن الأساسية، تسطيح المنحنى، فترة الحضانة، نقص المناعة، العزل، الإقفال التام، أعراض خفيفة، استراتيجيات التخفيف، التفشي، جراحة غير ضرورية، جائحة، الحجر الصحي، قناع التنفس، فيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة النوع 2 (SARS-CoV-2) ، لتباعد الجسدي، التزام المنزل، جهاز التنفس الصناعي) وأصبحت هذه المصطلحات شائعة لدى عامة الناس ممن يتحدثون اللغة العربية وليس النخبة منهم فقط وهذا يؤكد على أن اللغة العربية لعبت دوا هاما في وعي وثقافة المجتمع العربي بخطورة الوباء وأسهمت باستيعابها تلك المصطلحات الطبية والخاصة بعلم الأوبئة والطب في الحد من انتشار فيرس كورونا على نطلق واسع في البلدان العربية .








ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق